ملا محمد مهدي النراقي
10
جامع السعادات
أحب إنسانا أحب أولاده ، أشد حمقا من المغرور بالله ، لأن الله - سبحانه - يحب المطيع ويبغض العاصي من غير ملاحظة لآبائهما ، فكما أنه لا يبغض الأب المطيع ببغضه للولد العاصي فكذلك لا يحب الولد العاصي بحبه للأب المطيع ، وليس يمكن أن يسري من الأب إلى الابن شئ من الحب والبغض والمعصية والتقوى ، إذ لا تزر وازرة أخرى ، فمن زعم أنه ينجو بتقوى أبيه ، كان كمن زعم أنه يشبع بأكل أبيه ، أو يصير عالما بتعلم أبيه ، أو يصل إلى الكعبة بمشي أبيه ، فهيهات هيهات ! إن التقوى فرض عين على كل أحد ، فلا يجزى والد عن ولده شيئا ، وعند الجزاء يفر المرء من أخيه ، وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه ، ولا ينفع أحد أحدا إلا على سبيل الشفاعة ، بعد تحقيق شرائطها . ثم العصاة المغرورن ، أما ليست لهم طاعات ، فتمنيهم المغفرة غاية الجهل - كما مر - ، أو لهم طاعات ولكن معاصيهم أكثر ، وهم عالمون بأكثرية المعاصي ، ومع ذلك يتوقعون المغفرة وترجح حسناتهم على سيئاتهم ، وهو أيضا غاية الجهل ، إذ مثله مثل من وضع عشرة دراهم على كفة ميزان وفي الكفة الأخرى ألفا أو الفين ، وتوقع أن تميل الكفة الثقيلة بالخفيفة ، ومن الذين معاصيهم أكثر من يظن أن طاعاته أكثر من معاصيه ، لأنه لا يحاسب نفسه ولا يتفقد معاصيه ، وإذا عمل طاعة حفظها واعتد بها ، كالذي يحج طول عمره حجة ويبني مسجدا ، ثم لا يكون شئ من عباداته على النحو المطلوب ، ولا يجتنب من أخذ أموال المسلمين ، فينسى ذلك كله ويكون حجه وما بناه من المسجد في ذكره ، ويقول : كيف يعذبني الله وقد حججت وبنيت مسجدا وكالذي يسبح الله كل يوم مئة مرة ثم يغتاب المسلمين ويمزق أعراضهم ويتكلم بما لا يرضاه الله طول نهاره من غير حصر وعدد ، ويكون نظره إلى عدد سبحته مع غفلته عن هذيانه طول نهاره الذي لو كتبه لكان مثل تسبيحه مائة مرة ، وقد كتبه الكرام الكاتبون ، فهو يتأمل دائما في فضيلة التسبيحات ، ولا يلتفت إلى ما ورد في عقوبة الكذابين والمغتابين والنمامين والفاحشين ، ولو كان كتبة أعماله يطلبون منه أجرة الزايد من هذيانه على تسبيحاته ، لكان عند ذلك يسعى في كف لسانه